تخطَّ إلى المحتوى

0 زيارة · 0 تحميل

التحولات الفلسفية في فكر لودفيج فتجنشتين

عن هذا الكتاب

بدأت حركة التحليل الفلسفي بظهور مقال ” جورج مور ” G.moore (1873-1958) – ” تفنيد المثالية ” (1903).. حيث ثار فيه ضد الهيجلية الجديدة.. إلا أنه قدم في نفس الوقت مثالاً عملياً لمنهج جديد لمعالجة المشكلات الفلسفية يعد بحق من أهم مصادر حركة التحليل ؛ ثم جاء ” برتراند رسل B.Russell (1872-1970) ” وتابع زميله “مور” في ثورته ضد الفلسفة المثالية مستخدما هذا المنهج التحليلي الجديد.. ومع اتفاقهما في كثير من الآراء، إلا أن كلاً منهما كان ينظر من منظور مختلف، فبينما كان “رسل ” متأثراً بالتعارض الذي رأه قائماً بين العلم المعاصر والميتافيزيقيا المثالية، كانت نقطة انطلاق ” مور ” التعارض بين نظرة الحس للعالم والنظرة المثالية له. وجاء ” لودفيج فتجنشتين ” L.Wittgenstein (1889-1951) ليكمل مسيرة تلك الثورة الفلسفية، ويجاهد فيها ببسالة حتي بدت غير قاصرة على المثالية وحدها، بل بدت ثورة ضد الميتافيزيقيا والفلسفة ذاتها، فقد كانت بالفعل ” فلسفة ” ضد الفلسفة.. فعليا حين كانت اسمية ” وليم أوكام ” نصلا يجتز به الزيادات الطائشة للفلسفة، كانت نظرية فتجنشتين عن اللغة فأساً يقطع بها شجرة الفلسفة ” (1). لقد كانت فلسفة ” فتجنشتين” نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، ويرجع ذلك إلى أهمية المنهج الذي اصطنعه في بحث مشكلات الفلسفة وهو المنهج التحليلي الذي يتناول عبارات اللغة، التي نصوغ فيها الأسئلة والمشكلات الفلسفية، يتناولها بالتحليل المنطقي لكي يكشف عن أن هذه المشكلات ليست أصلا بمشكلات، وأنها لم تنتج إلا عن سوء استخدام اللغة.. الأمر الذي جعل فلسفة ” فتجنشتين” أشبه ما تكون بالثورة على الفلسفة التقليدية، وذلك لأنها غيرت من مفهوم الفلسفة نفسها وكذا من مجالها ووظيفتها.. فأصبحت الفلسفة لديه عبارة عن تحليل للغة، وانتقل مجال البحث فيها من البحث في الأشياء في ذاتها أو الوجود من حيث هو موجود، أو العلة، أو المطلق، أو الجوهر، أو اللامتناهي، أو العدم.. إلى غير ذلك – إلى البحث في العبارات والألفاظ التي يقولها الفلاسفة وتحليلها لبيان ما له معني منها وما لا معنى له أو لبيان الصحيح منها والخاطئ بناء على اتفاقها أو اختلافها مع قواعد الاستخدام العادي للغة.. ومن ثم تغيرت مهمة الفلسفة فأصبحت تحليل مشكلات الفلسفة بدلاً من إقامة نسقات فكرية أو ميتافيزيقية متكاملة، أصبحت الفلسفة لديه فلسفة للفلسفة، وأصبح عمل الفيلسوف عنده، هو أن يكون فيلسوفاً للفيلسوف بتحليله لما يقول (2). وقد اختلفت الباحثون في تقييم فلسفة ” فتجنشتين ” اختلافاً شديدا، من النقيض إلى النقيض ؛ أتباعه وأنصاره من الوضعيين المناطقة يرفعونه إلى أ على عليين، ويجلونه في مكانة الرائد والزعيم، ويجلونه إجلالاً عظيماً، ويعتبرونه شخصاً نادر الأصالة والعبقرية، ومفكراً قلما يجود به الزمان ؛ وأعداؤه من المدارس الأخرى يرونه وبالاً على الفلسفة، وعدواً لنفسه، وهادماً للتفكير الميتافيزيقي في العصر الحديث، وحاملاً لراية ” اللافلسفة” في الفكر الغربي المعاصر، ومدمراً لفلسفته هو نفسه في نهاية المطاف. والشئ المؤكد الذي لا يختلف عليه هؤلاء وهؤلاء، هو أن ” لودفيج فتجنشتين” كان عقلية فلسفية من أرفع طراز، وشخصية أصيلة من أبعد ما تكون الأصالة، وأنه كان أولاً وأخيراً، شخصاً صادقاً مع نفسه كأنقى ما يكون الصدق، وإنساناً مخلصاً للحقيقة كأنقى ما يكون الإخلاص (3). فهذا ” برتراند رسل ” يصفه ” بأنه كان على قدر كبير من التأثير لما له من صفاء عقل إلى درجة غير مألوفة على الإطلاق “ويقول ” إن بداية معرفتي ب فتجنشتين كانت أكثر مغامراتي العقلية إثارة طوال حياتي كلها “… أما ” جورج مور”، فيقول عنه ” إنني تعرفت على ” فتجنشتين ” في كمبردج إذ كان في السنة الأولى لالتحاقه بالجامعة يحضر محاضراتي في علم النفس، ولكني لم أعرفه جيداً إلا في السنتين التاليتين وحينما عرفته جيداً أدركت أنه كان اكثر ذكاءً مني في الفلسفة، ولا أقول أكثر ذكاء فقط، بل كان أكثر عمقاً كذلك “.. وكان ” مور “، فيما بعد يتردد على محاضرات ” فتجنشتين “، وقد قام مور بطبع بعضها في كتابه ” أوراق فلسفية”.. والجدير بالذكر أن ” فتجنشتين ” كان قد أملى على “جورج مور” بعضاً من محاضراته، فكان له الفضل في الحفاظ على تراث الفيلسوف النمسوي الكبير (4). لم تكن مؤلفات ” فتجنشتين” كثيرة متعددة، حتي أنه لم ينشر في حياته إلا كتاياً واحد هو ” رسالة منطقية فلسفية Tractatus Logicus Philosphicus ” ومقالاً له بعنوان ” بعض ملاحظات على الصورة المنطقية “، وبقية ما نشر بعد ذلك كان كله بعد وفاته، وكل ما نشر من كتابات ” فتجنشتين” لم يكن كثيرا، بقدر ما كان عميقا يصعب فهمه وتفسيره حتي بالنسبة لتلاميذه الذين كانوا يستمعون إلى محاضراته ويناقشونه فيما يكتب أو يقول، الأمر الذي أدى إلى ظهور كثير من الكتب كشرح لما قاله أو كتبه ” فتجنشتين” في مؤلفاته القليلة (5). ويؤكد بعض الباحثين أن عمل ” فتجنشتين ” الفلسفي ينقسم إلى فترتين، فترة مبكرة وأخري متأخرة.. وتجد الفترة المبكرة صياغة دقيقة لها في ” الرسالة المنطقية الفلسفية “.. ولكن فتجنشتين لم ينشر شيئا عن فترته المتأخرة، وإن كان لدينا صورة أولي عنها، وذلك في كتابيه ” الأزرق” و” البني” نسبة للون غلاف كل منهما، ثم صورة ثانية في كتابه: البحوث الفلسفي” Philosophical Investigations (6). وهذا هو الرأي الذي يتفق عليه معظم الشراح والباحثين، حتي أن بعضهم لا يقتصر على تأكيد الفروق الأساسية بين المرحلتين، وإنما يذهب إلى حد الكلام عن فلسفة ” أولي ” وفلسفة ” ثانية “، مثل الاستاذ فولفجانج اشتيجمولر في كتابه عن التيارات الأساسية في فلسفة العصر الحاضر.. غير أن فيهم من يكتفي ببيان الأفكار التي عدل عنها في فلسفته المتأخرة، والتعديلات التي أدخلها على آرائه ومواقفه التي تبناها في الرسالة نتيجة للتوسع في منهج التحليل، واختلاف تطبيقه، وتغير مفهومه عن اللغة، مثل “ألفريد آير في كتابه عن “فلسفة القرن العشرين”.. وفيهم كذلك من يحاول أن يثبت أن فلسفة ” فتجنشتين ” ظلت في جوهرها وغايتها واحدة لم تتغير، وأن الهدف منها – على الرغم من التوسع والتنويع في استخدام منهج التحليل اللغوي والمنطقي – هو نفي الفلسفة نفسها ودفعها إلى النهاية وإجبارها على ” الانتحار” وتقديم الأدلة والمسوغات لبيان أن عباراتها إن لم تكن لغوا هاماً ( كما قال في الرسالة) فهي في أفضل الأحوال تحاول أن تقول ما لا يمكن أن يقال، وإنما يظهر نفسه أو يتجلى بنفسه ( كما قال في البحوث الفلسفية).. . وكأن الهدف من ” فاعلية ” الفلسفة هو في النهاية تأكيد أن قضايا الفلسفة لا معني لها، ومن أراد أن يبحث عن المعنى فليذهب إلى العلوم الطبيعية أو فليرجع إلى لغة الحياة اليومية ” الجارية” التي هي صورة من صور الحياة (7). وهنا يجيئ دورنا في هذا البحث لنؤكد أن دراسة فكر ” فتجنشتين ” في المرحلة الأولى يبدو وكانه مقطوع الجذور عن تطوره في المرحلة الثانية ؛ بمعنى أن فكر ” فتجنشتين ” المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة فتجنشتين المبكر. وبالتالي فإن هناك قطائع ابستمولوجية في فلسفة ” فتجنشتين “، وهذه القطائع تنبثق من منطلق أن ” تاريخ العلم يتخلله الكثير من القفزات والوثبات والتحولات الفجائية والجذرية وأن التقدم في تاريخ العلم لا يشبه ابدأ درجات السلم التي يصعد عليها العلماء درجة بعد درجة للوصول إلى الغاية المنشودة وهي التقدم، وإنما التقدم كما يشهد عليه تاريخ العلم لا يسير وفقاً لخطي متصلة مستمرة، وإنما يحدث من خلال قطائع وانفصالات” (8). وهذه القطائع نحاول هنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء عليها، وتحليل عناصرها الأساسية في ضوء أهمية دراسة الابستمولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر.. لذلك فقد إرتأينا اختيار نموذج فلسفي يتمثل في فكر ” فتجنشتين ” نحاول من خلاله أن نلقي الضوء على تجليات القطيعة الابستمولوجية في فكره ؛ بمعني أننا لم نختار هذا الفيلسوف لنقدم عرضاً عاماً لفلسفته، وإنما اخترناه لنكشف عما ينطوي عليه فكرة من مضامين فلسفية تبدو للوهلة الأولي في موقع التعارض مع التيار العام الذي ينتمي إليه. وقد اعتمدنا في هذه المهمة على منهجين، هما المنهج التاريخي والمنهج النقدي.. وقد استخدمنا المنهج التاريخي بمعنيين: أولاً بمعني الرجوع للوقائع التاريخية التي يعتمد عليها ” فتجنشتين “، وثانيا بمعني تتبع تطور فكر ” فتجنشتين ” عبر مراحله الزمنية.. واستخدمنا كذلك المنهج النقدي بمعنيين: قصدنا بالمعني الأول فحص وتحليل النتائج التي انتهي إليها ” ” على أساس الأهداف التي حددها في فلسفته، وقصدنا بالمعني الثاني محاولة تقييم أفكاره ” في ضوء الانتقادات الفلسفية التي تعرضت لها، وفي ضوء إمكان تطوير هذه الأفكار وحدود هذا التطوير.

أي صيغة أختار؟

PDF يعمل على كل الأجهزة. EPUB يتيح تكبير الخط ويعمل مع معظم تطبيقات القراءة. للقراءة على كيندل أرسل ملف EPUB عبر خدمة «Send to Kindle».

تفاصيل الكتاب

التصنيفالروايات العربية
الزيارات0
التحميلات0
الصيغ المتاحةPDF
اللغةالعربية
الصفحات99
تاريخ الإصدار20 يونيو 2021
حجم الملف674.45 كيلو بايت
الصيغPDF (0.66 MB)

مجاناًلا حاجة لحساب

متاح فوراً

ملكية عامة · شاركه بحرية

المزيد في الروايات العربية

— ★★★★★★★★★★ كن أول من يقيّم

نقاش القرّاء 0

لا توجد مشاركات بعد — ابدأ النقاش!

بلّغ عن هذا الكتاب